إخوان الصفاء

11

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وأصبح روحا لم يقيّده منزل ، * وأضحى بسيطا ليس يدركه وهم رأى المسكن العلويّ أولى بمثله ، * ففاز ، وأضحى بين أشكاله نجم « 1 » واعلم يا أخي أن فضائل النفس الكلية فائضة على الأنفس الجزئية دفعة واحدة ، مبذولة لها دائم الأوقات ؛ لكنّ الأنفس الجزئية لا تطيق قبولها إلّا شيئا بعد شيء في ممرّ الزمان ، والمثال في ذلك فيض الأنفس الجزئية بعضها على بعض ، وذلك أن الأب الشفيق والمعلّم الحريص على تعليم تلميذه ، يودّ أن يعلم كلّ ما يحسنه ، ويعلّمه لتلميذه دفعة واحدة ، ولكنّ نفس المتعلم لا تقبل إلّا شيئا بعد الشيء على التدريج . ثم إن المانع للأنفس الجزئية قبول فيض النفس الكليّة دفعة واحدة هو لأجل استغراقها في بحر الهيولى وتراكم ظلمات الأجسام على بصرها ، لشدة ميلها إلى الشهوات الجسمانية ، وغرورها باللذات الجرمانية ، فمتى انتبهت من نوم الغفلة واستيقظت من رقدة الجهالة ، وصحت من سكرة عمايتها ، وأفاقت من غمرة غشيتها ، وأخذت ترتقي في العلوم والمعارف ، ودامت على تلك الحال ، لحقت بالنفس الكلية ، وشاهدت تلك الأنوار العقلية والأضواء البهيّة ، ونالت تلك الملاذّ الروحانية والسّرورات الدّيموميّة الأبديّة ، التي كلّها أشرف وأعلى منزلة مما كان ، فوق ما تقدّم قبله ، ودون ما يأتي بعده . ومتى هي أعرضت عمّا وصفنا ، وأقبلت على طلب الشهوات الجسمانيّة والزينة الطبيعيّة ، بعدت من هناك وانحطّت إلى أسفل السافلين ، وغرقت في بحر الهيولى ، وغشيتها أمواجها ، وتراكمت على بصرها ظلماتها ، وإلى هاتين الحالتين أشار ، عزّ اسمه ، بقوله تعالى : « اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ » الآية . ثم قال تعالى : « أَوْ كَظُلُماتٍ

--> ( 1 ) نجم : اسم المرئي .